وهبة الزحيلي
245
التفسير المنير في العقيدة والشريعة والمنهج
الهلاك ، قال مجاهد : كل نبي أبو أمته . ثم أردف ذلك بعلو منزلته وسمو مهمته وهو تبليغ دعوة اللّه ، وفاء بالميثاق ( العهد المؤكد ) الذي أخذه اللّه عليه وعلى سائر الأنبياء من قبله . التفسير والبيان : النَّبِيُّ أَوْلى بِالْمُؤْمِنِينَ مِنْ أَنْفُسِهِمْ أي إن النبي محمدا صلّى اللّه عليه وسلّم أرأف بجماعة المؤمنين من أمته وأعطف عليهم من أنفسهم ؛ إذ هو يدعوهم إلى النجاة ، وأنفسهم تدعوهم إلى الهلاك ، كما قال صلّى اللّه عليه وسلّم : « أنا آخذ بحجزكم عن النار ، وأنتم تقتحمون فيها تقّحم الفراش » « 1 » ولأنه ينزّل لهم منزلة الأب ، فالنفس قد تأمر بالسوء ، وأما محمد صلّى اللّه عليه وسلّم فهو لا يأمر إلا بالخير ولا ينطق إلا بالوحي . فإذا كان زيد يعتز بدعوته لمحمد صلّى اللّه عليه وسلّم ؛ لأنها تكسبه جاها كبيرا في الدنيا والآخرة ، فإن المؤمنين أصبحوا جميعا يعتزون بأبوة محمد صلّى اللّه عليه وسلّم العامة لهم ، وقد نزلت الآية تسلية لزيد ، وبيانا للانتقال من الأبوة الخاصة لزيد إلى الأبوة العامة ، والرأفة الشاملة التي تعم المسلمين جميعا ، لا فرق فيها بين الابن الصلبي وغيره فهو يرعاهم حق الرعاية ويهديهم الطريق المستقيم . وجعلت الولاية مطلقة لتشمل جميع الأمور الدينية والدنيوية . وما دام محمد صلّى اللّه عليه وسلّم أولى من النفس ، فهو أولى من جميع الناس بطريق الأولى ، وحكمه مقدّم على اختيارهم لأنفسهم ، ومحبته مقدمة أيضا على حب النفس التي بين الجنبين ، كما قال تعالى : فَلا وَرَبِّكَ لا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيما شَجَرَ بَيْنَهُمْ ، ثُمَّ لا يَجِدُوا فِي أَنْفُسِهِمْ حَرَجاً مِمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُوا تَسْلِيماً [ النساء 4 / 65 ] .
--> ( 1 ) نص الحديث في صحيح مسلم عن أبي هريرة : « إنما مثلي ومثل أمتي كمثل رجل استوقد نارا ، فجعلت الدواب والفراش يقعن فيه ، وأنا أخذ بحجزكم وأنتم تقحّمون فيه » . قال العلماء : الحجزة للسراويل ، والمعقد للإزار .